ابن فرحون
69
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )
البلاد البعيدة كاليمن وغيرها . وكان الشيخ مبسوط اليد لا يدّخر شيئا ، ولا يرد فقيرا ، ولا يبيت على معلوم ، كان إذا جاء قادم من مكة أضافه ووانسه ، ثم يقول له : ارفع طرف الحصير ، فيرفعه فما وجده تحته فهو له ، سواء كان درهما أو مائة ، وإذا أطعم الفقير لم يدع في بيته قمحا ولا سمنا ولا عسلا ، بل يعمل له الجميع حتى إنه عمل يوما للفقراء طعاما ولم يجد له إداما غير برنية شراب أهديت له لمرض كان به ، فأمر بصبّها وإيدام الجماعة بها ، وظهر في الناس بالكرامات والإخبار بالمغيبات ، حتى انعطف عليه الناس لعلمه وعمله ، وكرمه وحسن خلقه ، وكان مع ذلك مهيبا في جماعته ، بل في الحرم الشريف . قال لي من أثق به : إنه كان إذا دخل المسجد خضع له كل من فيه ، من كبير وصغير ، ومتى رأى منكرا غيّره بلسانه أو بيده ، وكان أعظم أصحابه . [ « 38 » الشيخ عبد الواحد الجزولي رحمه اللّه من العلماء الزهاد ] ، ومنقطعا كانقطاع الشيخ أبي محمد ، ومجاورا له في رباطه ، مكبّا على نسخ العلم ، عالما بالحديث والقراءات ، له كتب كثيرة بخطه أوقفها كلها ، وفرّقها قبل موته بقليل رحمه اللّه ، كان إذا رأى منكرا غيره بيده ولسانه ، واتفق أن بعض المشايخ الكبار مرتب في قراءة ختمة قبل صلاة الجمعة يجلس لقراءتها على كرسي ، ويرفع صوته بالقراءة ، فقال له الشيخ عبد الواحد : لا تجلس في هذا الوقت ، ولا ترفع صوتك بالقراءة فيتأذى الناس برفع صوتك ، فقال : هذه وظيفة مشروطة بهذه
--> ( 38 ) من مصادر ترجمته : التحفة اللطيفة 3 / 104 .